أحمد بن ابراهيم النقشبندي
92
شرح الحكم الغوثية
--> - هي الشهوة التي هي مطلب العارفين الوارثين ألا ترى إلى قيس المجنون في حب ليلى ، كيف أفناه عن نفسه ؟ ! لما ذكرناه وكذلك أصحاب الوله والمحبون أعظم لذة وأقوى محبة في جانب اللّه من جانب الجنس ، فإن الصورة الإلهية أتم في العبد من مماثلة الجنس ؛ لأنه لا يمكن للجنس أن يكون سمعك وبصرك وبطشك ، وغير ذلك مما ورد في الحديث القدسي بل غايته أن يكون مسموعك ومدركك اسم مفعول . وأما أصحاب الأحداث وهم المردان وأهل البدع الذين أحدثوا في الدين من التسنين المحمود الذي أقره الشرع فينا ، فينظر العارف منهم للأمرد من حيث أنه أملس لا نبات بعارضه كالصخرة الملساء ، فإن الأرض المرداء هي التي لا نبات فيها يتذكر مقام التجريد ، وأنه أحدث عهد بربه من الكبير ، فقد راعى الشرع ذلك في المطر ، فكل ما قرب من التكوين كان أقرب دلالة وأعظم حرمة وأوفر ؛ لدواعي الرحمة به من الكبير البعيد عن هذا المقام ، فسموا أحداثا بهذا المعنى ؛ لأنهم حديثو عهد بربهم ، وفي صحبتهم وتذكر حدوثهم يتميّز قدمه تعالى ، فهو اعتبار صحيح وطريق موصلة ، هكذا نظر العارفين فيهم . وأما المريدون والصوفية فيحرم عليهم صحبتهم ؛ لاستيلاء الشهوة الحيوانية عليهم بسبب العقل الذي جعله اللّه تعالى بلاء لها ، فلو لا العقل لكانت الشهوة الطبيعية محمودة . وأما النسوان فنظر العارفين فيهن وأخذ الإرفاق منهن مثلا حنين الكل إلى جزئه ، كما تحن المنازل لساكنيها الذين بهم حياتها ؛ ولأن المكان الذي استخرجت المرأة منه من الرجل عمّره اللّه تعالى بالميل إليها ، فحنينه إلى المرأة حنين الكبير وحنوّه على الصغير . وأما أخذ الإرفاق منهن لهن ، كما أخذه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهن حين أمرهن أن يتصدقن ، لما رآهن أكثر أهل النار فأشقق عليهن ، وسعى في خلاصهن ؛ ولأنهن محل التكوين بصورة الكمال ، فمحبتهن فريضة واقتداء به صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « حبب إليّ من دنياكم هذه ثلاث : النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة » ، فذكر النساء ، ومعلوم أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يحبب إليه ما يبعده عن ربه ، بل ما يقربه منه ، لما نزل قوله تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ [ الأحزاب : 52 ] ، قالت عائشة : ما كان اللّه ليعذب قلب نبيه ، واللّه ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أحل له النساء ، وإنما قالت ذلك لعلمها بما أخذ النساء من قلبه صلى اللّه عليه وسلم ، فأبقى عليه تعالى جواز ملك اليمين رحمة به ، وإن منع غيرهن ، ولذلك كانت هذه الآية من أشق ما نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فمن عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن ، بل من كمال العارف حبهن ، فإنه ميراث نبوي وحب